لم تلمس يد الجراح وجهي، ولا حتى إبرة واحدة، ولم أفقد خصوصية ملامحي، فأنا أنا، منذ أن وعيت على نفسي، لكن شيئًا ما تغير بمرور السنوات الأخيرة، ولست أدري هل ما فقدته كان جنان، أم ما صرت عليه هو جنان، وهل كل ما حدث ساهم في استعادة جنان، أم فقدانها.. وستبدي لك الأيام!
“تحارُ المرايا الواثقاتُ بنفسها.. إذا عكستني بين باكٍ وضاحكِ”
إن كانت النسخة الطفولية منا هي الحقيقية، فقد وجدتني، وما فقدته كانت النسخة المعدلة، إذًا لماذا شعرت بحزن عندما وقفت أمام المرآة ولم أتعرف إلى نفسي؟ يألف الإنسان حتى ما صار عليه، وإن لم يكن يحبه، وأحسب أن ذلك من رحمة زرعها الله في نفوسنا، إذ كيف يطيق الإنسان شخصا آخر يختلف عن حقيقته، ينام ويصحو معه. لكن العودة إلى ما أنت عليه في الحقيقة تتطلب جهدًا، ستتألم وتغضب وتبكي، لكن ما إن تعود ستشعر بأنك تحررت من عبء ثقيل عليك، وكأنك عشت الحياة كمسرحية، أما الآن فصرت أنت، كما تبدو من الداخل، ومسألة وقت حتى تألف وجهك القديم في المرآة.
تقول أمي: “من بين كل بناتي، جنان هي اللي حزنت عليها لما غطيتها” لأني لم أكن أعرف حياة البنات، ولم أحب طبيعتها، وقضيت أوقاتًا كثيرة من طفولتي في قسم الرجال، بين خوالي وأبناء خالاتي، فقد كنت أرى أن قضاء يومي في توزيع لحم الأضاحي على معارفنا مثلا، أفضل من لعب بيت بيوت، وأن أعود إلى أمي كل مرة بإصابة جديدة، مرة ورأسي مفلوق والدم يغطي وجهي، ومرة أخرى أسقط فيها على نخلة أثناء لعبي، أحب إليّ من أن أكون آمنة وجالسة أتحدث مع طفلة أخرى.. خالي عبدالله رحمه الله رحمة واسعة، كان عين أمي علي في قسم الرجال، وأتذكر أننا كنا مرة في كشتة، فحفر حفرًا بجوار مجلسهم ودفنني أنا وكل الأولاد، كل واحد منا في حفرة، باستثناء رؤوسنا، وتحدانا بأن نبقى فيها، ثم جلس يستريح ويشرب قهوته، وأنا كنت أحسبه يلاعبنا، أما بعدما كبرت فهمت لماذا قالت أمي بأني “ما ألحق جزاه”، تقول “كانت تطوى لك الأرض، ولو تشوفين (معزى) ركضتي وراها، وخالك يركض وراك” جمعني الله به في مستقر رحمته.. كانت لي روح حُرة، ولأن للحجاب حمولة ثقافية ومجتمعية، فقد حاولوا ولسنوات زراعة الخوف في داخلي، لأن ذلك سيسهل عليهم وضعي داخل الدائرة التي رُسمت للنساء، وأبت نفسي إلا أن تعطي الشجاعة حقها.
“البطل الحقيقي هو من لا تزيده صعوبة حياته إلا التشديد في التيسير على غيره، فلا تقول عنه: ضرسته الحياة؛ إلا وأنت تتخيله مشغول بتفتيت أنيابها حتى لا تنال من سواه.”
لم تمنعني طفولتي وطبيعة الحياة فيها من الانغماس في مجتمع النساء بعد أن كبرت، وأستحضر مقالة مشاعل: “.. وبعد كل هذا العمر من الحكايا عرفت أن لا أحد قادر على أن يعزز في المرأة ثقتها بنفسها وقوتها وأنوثتها إلا امرأة أخرى. لا المرايا ولا الزينة ولا الرجال يمكن أن يقنعوا امرأة عادية بمقاييس المجتمع أنها مهمة وذات قيمة كما تفعل امرأة صلبة ومعطاء مع امرأة أخرى، ولا تخرج الفتاة التي تترك نفسها تغرق في علاقات سامة إلا يد امرأة حكيمة تعلمها ما تستحق، والعكس صحيح!” ولهذا أنا أكتب عن نفسي وعن حياة المرأة، وفتحت باب الأسئلة للبنات في محاولة مستمرة لانتشال ما يمكن انتشاله، حتى وقعت في ورطة معرفة كيفية تقديم المساعدة، ونسيان طلبها.
إن علاقتي المتوترة مع المرآة في كل مرة أقف أمامها ولا أراني لم يُصلحها إلا وجود نساء من حولي، يقولون لي في كل مرة إن: “المرآة كفيلة باخبارك كم أنتِ جميلة وفاتنة؛ وأنا الفت انتباهك للملح والقبول فيما لا يُرى.. لكنه يُلاحظ“
كونوا بخير❤️
تأتي هذه التدوينة تابعة لتدوينة: “يدور بين حيرتين: ما علمه إياه أبواه، وما رآهُ بنفسه” ، وكأن الغربة المؤقتة نتيجة حتمية لها.