“يدور بين حيرتين: ما علمه إياه أبواه، وما رآهُ بنفسه”

لم تكن لي أي محاولة جادة لإعادة تعريف الحياة قبل عام ٢٠١٥، قبل تخرجي من الجامعة، وأعتقد هذه أحد أسباب عدم عودتي لمقاعد الدراسة حتى الآن، أعرف بأني سأرهق نفسي حتى أحصل على أعلى معدل ممكن. تحدي الكمال؟ ربما، أو أنه تأثير سنوات من الدراسة لم ينبهر فيها أهلي لأني حصلت على ١٨/٢٠ بل سألوني عن الدرجتين إلى أين ذهبت! أقول لم تكن لي أي محاولة جادة لإعادة تعريف الحياة قبل عام ٢٠١٥، وأفكر الآن: هل كانت توجد حياة يمكن إعادة تعريفها؟

“كانت امرأة تقاتل عن آمالها كما يقاتل الفارس المغوار عن أمجاده وما كل النساء يفعلن.. كانت تقاتل قتالا عجيبًا، يُرى في أيامها أثرُه ولا يَسمع الناس صريره”

الخطوة الأولى لإعادة التعريف تكون في إدراك وجود المشكلة، ثم السعي لحلها، لا في تخديرها، ولعل أبرز مثال على هواية التخدير هي النصيحة الشهيرة للنساء المتزوجات عندما يعلو صوت شكواهن لانصراف أزواجهن: “حطي لك جو في البيت، سوي قهوتك وتابعي مسلسلك!”، والمشكلة الأساسية هنا لا تكون في التخدير، بل في إنكار وجود المشكلة، ثم ماذا تكون النتيجة؟ امرأة حزينة، ورجل لا يرى في انصرافه أي مشكلة، وعلى ذلك قس باقي الأمثلة.

“ثمة شيئان لا يجب أن ينكرهما أحد على نفسه: الحق في السعادة، والحق في الرأفة بالنفس.”

لقد آمنت في السنوات الأخيرة بأن لكل مشكلة جذر قديم، لم تكن النساء لتسعى في تخدير ألمها سنة بعد سنة، إلا لوجود رابط قديم، ووجود نساء تقدم هذه النصيحة لبعضها يؤكد على وجود هذا الرابط، كنوع من تأجيل الحياة، بدأت من (إذا كبرتي سوي كذا! إذا اعرستي! إذا صار عندك فلوس..)، لتنتهي عند (بكرا عيالك يكبرون ويعوضونك)، وهكذا يتم تحميل الأبناء مسؤولية حياة كاملة مفقودة.

كيف تكون إعادة التعريف؟ المسألة شخصية، تبدأ من تغيير طريقة التفكير التي تم توجيهها ولسنوات، ثم محاولة معرفة رضاك عن الحياة المقدمة لك، والتوجه بعدها للحل، خطوة خطوة، بدون صدام. تجربة التدريس علمتني بأن كل النصائح المكررة من قبيل ( توظفي، اطلعي لقهوة، روحي للنادي..) وغيرها هي نصائح مترفة، لم تكن -هذه الأشياء- تقدم للنساء عندنا باعتبارها مُسلّمات، بل هي امتياز تحصل عليه النساء المتنعمات. في أيام عملي كأستاذة تعرفت على طالبة تأتي للكلية في يوم (الأوف) لأن الكلية هي المتنفس الوحيد لها، وأخرى تمدد سنوات تعليمها لأنها تعلم بأن الوظيفة خيار غير مطروح، عرفت عن نساء متزوجات ممنوعات من استخدام تطبيقات التوصيل، لذلك أنا لست مع النصائح العامة المترفة، بل مع محاولات الإصلاح، مع أن يأخذ الإنسان حقه من الحياة، لكن.. لكل إنسان تجربته الخاصة، وكل امرأة ينبغي أن تعرف كيف ومتى تبدأ، بناء على وضعها، لأن الحياة حياتها، ووحدها تتحمل تبعات كل قرار فيها.

أنا أدعم المملكة العربية السعودية، ونصف المملكة العربية السعودية من النساء، لذا أنا أدعم النساء

ــ الأمير محمد بن سلمان

ماذا حدث بعد السماح بقيادة المرأة للسيارة؟ لا تحتاج حياة المرأة في هذه الأرض إلى تغيير كل صغيرة، بل إلى تغييرات كبيرة، من شخص يملك السلطة والنفوذ، لتأتي الأشياء معها، يوما ما، كنتيجة حتمية. ففكرة هذه التدوينة خطرت ببالي عندما كنت أقف فوق رأس نفود في يوم ماطر، من حولي البنات، نقف نتأمل بحيرة العوشزية من الأعلى، والناس من حولها، ثم ننزل نركض للأسفل وصوت ضحكاتنا تُسابقنا.. أين؟ في القصيم التي قالت عنها أثير النشمي في روايتها أحببتك أكثر مما ينبغي الصادرة في عام ٢٠٠٩: “أنا في القصيم.. المكان الوحيد في العالم الذي يجب ألا تخشي عليّ وأنا فيه، جمانة لا يوجد هنا سوى النخيل، لن أخونك مع نخلة!” وأنا ممتنة لسمو الأمير لأنه منحني شجاعة الاعتراض على الحياة المقدمة لنا كنساء، هذه الشجاعة التي كانت الخطوة الأولى لأعود أنا، جنان بمثل ما يجي من خاطري.

“لم أصبح المرأة التي تمنيت أن أصيرها، لكنني أصبحت أفضل ما يمكن أن تكونه امرأة تعيش بنفس ظروفي.”

تأتي هذه التدوينة إجابة مقترحة على تساؤل سموه الذي طرحه على الأميرة ريما بنت بندر: “هل فعلا إحنا بطريقة جذرية مؤسساتية غيرنا بحياة المرأة؟ هل فعلا هي حاسة بالفرق؟ هل فعلا دخلنا وشفنا تأثير التغيير هذا عليها؟.. هل هو كافي؟


لـوعـودٍ راحـت ترسمـها أحـلام فتـاة شرقيـة

أراكم على خير❤️