وينك يا لا يوم أقول إيه!

سألتك بالذي زانك.. تحبي فيني حتى الظلم

تحبي عيوبي وغدري تحبي المر في كاسي 🎶

اقرأ هذه الأيام رواية “ميثاق النساء”، عن أمل بونمر، المرأة التي تعلمت الصمت يومًا بعد يوم، لم يغلق أحد فمها مرة واحدة، بل خسرته بالتدريج، وأسأل نفسي وأنا أتأمل حكاية أمل: كيف يمكن لامرأة واحدة، أن تختزل في قصتها حيوات كثيرة؟ أنا كم أعرف من امرأة صامتة؟ أنتِ كم تعرفين؟ ولن أوجه هذا السؤال للرجال، لأنهم يختارون كالعادة ألا يروا هذا الصمت المطبق، إما لأن هذا لا يخدم مصالحهم الشخصية، أو لأنهم أقل شجاعة من العيش مع امرأة تأخذ حقها من الحياة عنوة.. إن للرجال -ببالغ الأسى- سطوة على النساء، لطالما وجدت خلف كل امرأة سعيدة، رجل داعم، وكأنهم إذا دفعوا امرأة نحو الحياة، قلما استطاع أحدٌ غيرهم ثنيها عنها.. وهكذا “أمات الحب عشاقًا، وحبك أنتَ أحياني”.

هل لديك حدود ومساحة آمنة؟

معضلة علاقاتنا الاجتماعية هي عدم القدرة على فرض الحدود، هذا الصمت الذي يجبر الإنسان في كل مرة على تقديم تنازلات، للعائلة وللزوج والأبناء، وأحيانا لمن هم أبعد. فعندما أسأل امرأة عن سبب موافقتها على رجل ما مثلا، لا يأتي سبب الموافقة، إنما انعدام أسباب قول لا، فهي تشعر في قرارة نفسها بأنه لا يوجد سبب مبرر لقول لا، مع أن عدم الرغبة بحد ذاته مبرر كافٍ للرفض.

بني آدم طماع، إن رأى منك تنازلا أو انهزامية أمامه، طغى عليك، وهذا ليس في جنس محدد، بل الجميع بلا استثناء، فقد رأينا والدين تماديا في سلطتهم، وزوجة عزلت زوجها عن أهله، وزوجا يملك مفاتيح مال زوجته، وأبناء بلا حياء.. أفرض حدودك!

لقد كانت الخطوة الأولى لتطبيع ثقافة التنازل هي تجريم كلمة لا، واعتبار الاعتراض إساءة غير مقبولة، لأنها بالنسبة لهم مصدر تهديد أولاً، وتتعارض مع الوصاية -التي يحب أن يمارسها عليك الجميع- ثانيًا.

فرض الحدود يمنح العلاقات عمرًا أطول وأكثر عمقًا. هي المسافة الآمنة التي تسمح لك بأن تكون أنت، لا أن تذوب تحت مظلة الآخر! هذا الآخر الذي ما أن تذوب لأجله، سيفقد احترامه لك ويراك مجرد شيء من أشيائه، يأخذك حيث يشاء.

هل التنازل فضيلة؟

لأ. الحقيقة الوحيدة الثابتة: “لن يتوقف أحد بعد عدة سنوات ليشكر لك تنازلك عن شيء يخصك أو حق من حقوقك من أجله. تنازلاتك ستحسب بعد فترة من الزمن على أنها اختياراتك الشخصية وجزء يعبر عنك بلا خلفية لأسبابه. فكر بهذا جيدًا قبل تقديم أي تنازل“. أما إن كنت قد فعلت، وأرهقتك أسواطُ الندم، فالتجاوز هنا هو حق نفسك عليك، لتستطيع هي الأخرى أن تمضي في الحياة، دون أن يثقل كاهلها أخطاؤك التي لا تنفك عن ارتكابها.

ولأن الإنسان لابد أن يبذل لأحبته من نفسه، فالرضا هنا مطلب، أن يكون ما تقدمه نابعًا من طيب خاطر، لا تنازلا تأتي به بعد سنوات فتقول: “أنا ضحيت من أجلكم”، تحمل مسؤولية أفعالك. لم يكن العطاء يوما تنازلا، بل هو فضيلة، لكن الحقوق ونصيبك من حظ الدنيا هي التي يختلط فيها الرضا والتنازل، وإذا اختلطت على الإنسان سُلبت منه دون أن يعي في لحظتها، فتترك لنا بعد سنوات إنسانًا غاضبا من نفسه، أكثر مما هو غاضب ممن سلبه حظه.

“ما كان جبّارًا هواك وإنّما قوّاهُ ضعفي”

صناعة الشخصية

أيام الدراسة، في المرحلة الثانوية تحديدا، قالت لي المديرة في لحظة ودت بها لو تنزل بي أقسى عقوبة تستطيعها: “تشفع لك شطارتك!” فقد كانت امتياز أعطاني مساحة حرية أوسع في المدرسة، امتياز أعطى “لا” إن جاءت مني وزنها. وقد تكلم الدكتور عماد رشاد في كتابه (أبي الذي أكره) عن تأثير بيئة الدراسة على شخصية الإنسان، وعن كونها تغطي فجوة ما يحدث داخل العائلة، أو تزيدها، ويكاد يكون الناجون من صدمات الطفولة، قد حصلوا على تجربة جيدة في المدرسة.

إن التنشئة عبء ومسؤولية عظيمة، ولا يوجد إنسان يكفي، ولا ينبغي لأي أم أن تسعى للكمال، كما قالت أمل: “أنا أُربيكِ يا صغيرتي وأربيني”، فالكمال في التربية وهم، هي سعي مستمر للتحسين، وبالمقابل يكون للمدرسة والمحيط دور بارز في صناعة شخصية طفلك، ووضعه داخل بيئة جيدة وآمنه تحفظ له مساحته، سيحمل عنك بعض العبء.

كونوا بخير❤️


  • كتب مقترحة للقراءة: أبي الذي أكره، ربما عليك أن تكلم أحدًا ولماذا يجرح الحب؟