أنا وأخوي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب!

“سقى غيث السرور حزون نجدٍ
وجاد على مرابعها الغمام”

كان أول خبر قرأته في الصباح هو محاولة النتن التقارب مع الرياض، عرض علينا المشاركة في حربنا، إلا أن الأمير محمد بن سلمان رفض هذا الطلب.

في طفولتي تعتبر الشتيمة مثل الكذبة غير مسموحة، وأي لفظة خاطئة تعرضني للعقاب، فتضع أمي في فمي زنجبيل (تختار الزنجبيل على الفلفل لأنه حار في أوله بارد في آخره)، باستنثاء شتيمة واحدة مسموحة كنت اتغنى فيها ولا أبالي: “فلسطين بلادنا بلادنا واليـ هود (كلا-بنا)” وقد وصلت إلى عمري هذا وما زلت لا أعرف الرابط بين فلسطين وأبله نورة.

إن المتأمل في حال تويتر والخلافات وتراشق الشتائم بين أبناء الخليج الواحد والمسلمين كافة، يرى الفجوة الأخلاقية التي اتسعت في السنوات الأخيرة، وفي كل مرة أغضب من فظاعة ما أرى، أتذكر أننا ونحن أبناء أرض واحدة، لم يسلم أحد منا من شتيمة عابرة بسبب انتمائه إلى منطقة أخرى، ففي وسط جدالات هاشتاق ٢٠٣٠ بلا نقاب، أجد ٢٠٣٠ بلا قصمان مثلا.. وقومة ومب قايمة، وهذه جلستي وعدلتها!

“الوطن هو السقف ورغيف الخبز والشعور بالانتماء والدفء، والإحساس بالكرامة”

لعل أحد أبرز أسباب هذه الفجوة هي انغلاق الإنسان على نفسه ودائرته الضيقة، وتجد أكثر الناس تسامحا هم الذين اختلطوا بالآخرين ولسنوات طويلة، منذ الطفولة، ولم يشعر بأنه أفضل من أحد لمجرد قبيلة/عائلة، جنسية، مال أو وجاهة. ويأتي من بعدها غرور الإنسان، واعتقاده أن الميزة التي وهبه الله إياها هي استحقاق له، وليست منّةً خالصة من الله، فكونك -على سبيل المثال لا الحصر- من بلاد الحرمين، هذه هبة ومسؤولية، وليست أفضلية لك على شخص آخر، فالتقوى عند الله جل في علاه هي مقياس التفاضل، لا البقعة الجغرافية.

في قضية فلسطين مثلا، قضيتك هي الإسلام وأولى القبلتين، وليست الفلسطيني نفسه، لا يمكنك التخلي عن قضيتك لأن فلسطينيا شتمك، أو يكرهك؛ هذه هشاشة. كما أن شتيمة شخص ما لأرض الحرمين لا تقلل من مكانتها. فلم يخطر ببالي ولو لمرة واحدة أن شخصًا مسلما سيتشفى بما يحدث عندنا، على يد عدو حاول استهداف الحرمين قبل أن يتجه إلى العاصمة. هل تتخيل أن حقدًا دفينًا تجاه السعودية قد يجعل مسلمًا بلا حمية، حتى تجاه الحرمين؟ إن دم المسلم واحد، ولا يمكننا مواجهة عدو الإسلام والمسلمين بهذه القلوب المتفرقة، التي يسعى كل طرف فيها للتقليل من الآخر، وإثبات أفضليته عليه.

ثم بعد هذا كله تجد المسلم يعتد بنفسه، وهو يبدل موقفه في القضايا الكبرى مثل ما يبدل ثيابه! تحبني وتمدحني؟ أنا أحبك، وإلا فالويل لك!

خلاص اكبروا!

أنا وأخوي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب!

يرددها العرب دون ضابط يحكمها. أما رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، فيقول: “انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا” فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلومًا، أفرأيت إذا كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال: “تحجزه أو تمنعه من الظلم؛ فإن ذلك نصره.” فالعدالة مقدمة على القرابة، في حال كنتم تنامون في حصص الدين.

إن التشفي بما يحدث في بلاد المسلمين هو انحطاط أخلاقي، ونزول إلى القاع. ومعايرة المسلمين بغياب الأمن في بلدانهم، أو بحالتهم المادية، أو في أي ابتلاء كان، كيف يمكن أن يُقابل بهذا العدد الهائل من التعزيز ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم يقول “إنَّ مِن أحبِّكم إليَّ وأقربِكُم منِّي مجلسًا يومَ القيامةِ أحاسنَكُم أخلاقًا..” وعليها يجب نقف مع أنفسنا وقفة حقيقية ونسألها عن المسافة الهائلة بين هذه التصرفات وبين أخلاقيات ديننا الحنيف!

إن المملكة العربية السعودية في هذه المرحلة تحتاج أن نقف معها، ندعوا لها، نلاحق الشائعات ونبطلها، عليك أن تغضب لأجل مصابها وشهداءها، لا لأجل أن فلان من الناس قال بأنك تلبس من شي إن مثلا.. وهذا من تهذيب النفس، أن تترفع، وتعرف كيف تصب غضبك في مكانه الصحيح، دون أن يتناثر على أحد.

“هل عرفت الآن سرّ قوتي؟ لم أنتظر يومًا أن يحبني أحد”

هامش: قلبي يحب العاصمة، وبعد الأحداث الأخيرة ضاقت علي الوسيعة، رحم الله المتوفين، وجمع للمصابين بين الأجر والعافية.. جاءت لي صديقة تقول: “جنان تعالي بكشت فيك” وأخذتني لمكان قريب من شركة الاسمنت، لأني سبق وقلت بأنها من بعيد تشبه (كافد) ويا شبيه صويحبي حسبي عليك!


“وقلبٌ بحجمِ البلاد إلهي
شجاعٌ .. يشيخ ولا يذبلُ
حنونٌ إذا ما استكانوا إليه
حفيٌّ يطيبُ به المنزلُ
وصوتٌ إذا خانتِ المفرداتُ
على النّاسِ يحنو ولا يقتلُ
وهبني يدًا إذ تشحّ العطايا
تمدّ بحبٍ .. ولا تبخلُ
تصافحهم رغمَ كل الخطايا
تلوّح إن حانَ أن يرحلوا”

كونوا بخير❤️