شخص مفرط في عاديّته، مثلك!

في فترة ما، قبل سنوات، كانت الشهرة تقوم على معرفة الاسم، معرفة فلان من الناس وأعماله ونشاطه، كانت المعرفة عامة ومحدودة. نسمع في بعض المجالس عنه، مما يدور بين الناس عادة من مواقف، ومع ذلك تبقى محدودة وتمنح صاحبها فرصة السيطرة على حياته وما يُعرف عنه، كانت شهرة لكنها لم تصادر خصوصيته.. ولا أعرف هل الشهرة في الوقت الحالي هي من صادرت حق الناس في الخصوصية، أم الناس حرموا أنفسهم.

انتقال الشهرة من كونها معرفة إلى كونها باب رزق سريع هو ما جعلها مصدر ضغط لعامة الناس، سيرغبون بها لا لأجل المكانة التي تمنحها فقط، بل كونها لقمة عيش. وما بين رغبة الإنسان في كشف نفسه للحصول على عدد أكبر من المشاهدات، أي قاعدة جماهيرية أعلى وباب رزق أوسع، وبين رغبة الآخرين في تتبعك والعثور على سقطة لك، تُهدر حياتك.

ويتجلى جزء من قوة الإنسان المعاصر عند رفضه للشهرة، أو عند قبولها والقدرة على تهذيبها وفصلها عن الحياة الشخصية، والبقاء بمعزل عن السباقات.

“ليس عليك أن تبهر أحدًا ليحبك..
فالحب يحدث حين تشعر أن من أمامك مفرط في عاديّته مثلك”

سلاح ذو حدين

لم تكن الشهرة يومًا بشكل واحد، فقد تكون بسبب منصب مرموق وقد تكون بسبب تصرف مخزٍ لك، تعددت الأسباب، والسبب غالبا ما يحدد شكل شهرتك، فقدرة الأول في الحفاظ على خصوصيته تكون عالية، بينما الآخر لا.

قالوا: “سلاح ذو حدين” وهذا يشمل الشهرة، لا تستطيع القول بأن البقاء متواريًا عن الأنظار هو الخيار الأفضل، فالشهرة لها مكاسب، لن تستطيع الحصول عليها دون أن يراك الآخرون، لكن طريقة استخدامك لها تحدد إن كانت لك أم عليك.

ولا تكون مكاسب الشهرة كلها مادية ملموسة، فالمكانة والمحبة والثقة أيضا التي تكسبها من معرفة الناس لك، لها قيمة أعلى من المادة نفسها، حتى وإن كنا في زمن تطغى فيه المادة. للمال سطوة لا شك، لذلك ينبغي أن يكون في يدك لا في قلبك.

لكل مغنمٍ مغرمٌ

تبدأ رحلة الإنسان مع الشهرة هادئة ووديعة حتى يبدأ في بيع أسرار حياته مقابل الحصول على مشاهدات أعلى، شهية الشهرة مفتوحة، لن تشعر بالتخمة، وفي كل مرة ستجد شيئًا تستطيع بيعه، حتى وإن تراجعت في مرحلة ما، واستطعت السيطرة على ما قلته، وحذفته -بشكل ما- من الإنترنت، لن تستطيع حذفه من ذاكرة الناس، الذاكرة الجمعية لا تنسى، ولا ترحم. وإن كنت قد أخبرتهم برغبتك بعدم نقل أخبارك، سيتناقلونها ويقول واحد لآخر “لا تقل لأحد”، وهكذا الكل سيعرف بأنك لا تريد أن يدري أحد، وستبقى تحت رحمة الناس، والواعي بحال النفس البشرية يعلم بأنه ينبغي عليه ألا يهتك ستر نفسه بنفسه.

الحياة بعد الشهرة تشبه السبحة، ما أن ينفرط منها شيء، حتى تنفرط السلسلة، والعاقل خصيم نفسه.

“معيار الحرية هو ردّك على ما فعلته بك الحياة.”

المجهولية هي الشهرة الجديدة

قرأت الجملة أعلاه في نص يقول “علامة التميز العصري الآن هي ألا يظهر لك أي نتيجة عند البحث عن اسمك. (لا نتائج) هي الإشارة على مدى عمق مجهوليتك، لأن الحرية الحقيقية تأتي من كونك مجهولاً

إن كان للشهرة مغانم معتبرة، فلعل أعظم مغارمها هي مصادرة حرية الإنسان، وتختلف قيمة الحرية بين الناس، ويختلف تعريفهم لها، وإن عرفتها بشكلها السليم، ستعرف فضيلة أن تكون شخصًا عاديًا: تتحدث في مجلس دون أن تخشى أن يذهب صدى صوتك لأبعد من مجلسك، تخرج إلى مكانٍ عام دون مخاوف من أن يتم تصويرك دون أن تدري، لا تشعر بضغط نفسي ورغبة في أن تُرى ويتم توثيقك في مكان ما، تتحرر من الترقب والتوجس، ومن جميع محاولات الشهرة لوضعك داخل قالب محدد، يشبه كل شيء، إلا نفسك.

“قد يكون الحب هو مجرد العثور على الشخص الذي يمكنك أن تكون على طبيعتك معه.”

فضيلة أن تكون: شخص عادي!

في مرحلة ما، بعدما رأيت سباق الشهرة، وما تمنحه الشهرة من امتيازات لا تمنحها الحياة العادية، ستبدأ بتأمل حياتك بكامل تفاصيلها، تبدو حياة الآخرين وكأنها تشير إلى حياتك المتواضعة بسخرية، مع أنها لا تفعل، ولا يحتاج القلق أكثر من أن تفتح له الباب ليأتي.. هل كانت لدي حياة تستحق العيش؟

كنت تستيقظ في الصباح غير آبه لوجود عدد كبير من الأشخاص الذين تطوعوا لتقييمك في وسائل التواصل، تخرج لتشرب قهوتك دون أن تشعر بالارتياب لأن شخص ما يحدق بك، تسير في الشارع وتعود إلى البيت دون أن تجد نفسك قد صرت محتوى في مكان ما.. لم تكن الحياة الهادئة ثمينة لهذا الحد، مثلما هي الآن.

في صباحات ابريل شاهدت فيلمين، الأول يتكلم عن بنت لرجل سياسي مدللة من والديها، وعليها حراسة مشددة، تبحث عن حياة (عادية). الفيلم الثاني لطفلة صغيرة من عائلة فقيرة، جاءت من علاقة غير شرعية، مضطهدة داخل البيت، وتبحث هي الأخرى عن حياة (عادية): على اختلاف البيئات والمكانة الاجتماعية، تبقى الحياة التي يملك فيها الإنسان أمر نفسه، هي الامتياز الحقيقي.


صباح/مساء الخير

أنا جنان، شخص مفرط في عاديته، مثلك!

كونوا بخير❤️