بعيد عنك حياتي عذاب .. ما تبعدنيش بعيد عنك
ما ليش غير الدموع أحباب .. معاها بعيش بعيد عنك
ومهما البعد حيرني
ومهما السهد سهرني
لا طول بعدك يغيرني
ولا الأيام بتبعدني بعيد، بعيد عنك 🎶
في الأيام الماضية، كنت غارقة ما بين التزامات الأهل والأصدقاء، ارتبك نظام نومي، ولا أقول بأن هذا الغرق غير متعب، لكنها أول أيام الصيفية؛ الفرصة التي نلتقي فيها بكل الأحبة. رأيت فيها امرأة تقول لأبي رحمه الله “يا خال أمي”، ومع أنها كبيرة في العمر، إلا أنها تقف لي عند السلام، وتقول “ياريحة خالي”، ذلك أن أبي رحمه الله كان مرتبط ارتباط وثيق بأخته، أي جدتها، ومن الاحتفاء الذي ألمسه من أسرتي الكريمة، أعرف مقام أبي بينهم، لم يقف الموت حائلاً بينه وبين مكانته في نفوسهم، بل إن وفاته المبكرة بسبب المرض جعلت في أهله (شفقة) عليه، أو كما قالت لي عمتي فاطمة -رحمها الله- قبل وفاتها وهي تمسح على كفي: “راح ومحد تنهى فيه، خاصة أنتِ!”
للموت حسرة تحول بينه وبين النسيان، وبؤسٌ يجعل البعد عن العين لا يكفي. لكن في الحياة؟ يحتاج الإنسان بشكل مستمر إلى توثيق روابط مودته، لا تقل محبتك ببعدك، لكنك لن تكون في واجهة القلب، والواجهة هي ذاكرة القلب.
يوجد سؤال كان يتردد بيننا أيام الدراسة، يقول: “يموت حبيبك وإلا يتزوج غيرك؟” وفي صياغة أخرى: “يموت زوجك وإلا يتزوج عليك؟” وكان الأغلبية يختارون الموت، باعتباره طوق النجاة من الألم الأكبر، وأنا منذ تلك الأيام أفكر في عدم جدوى فكرة الموت لأنها تُخلد الإنسان في قلبك وتُبقيك طوال حياتك تعتقد بأن شيئًا جميلاً قد فاتك، بينما في الحياة: “بعيد عن العين بعيد عن القلب” تأتي كإجابة مقترحة.
“فيا ساكني أَكنافِ نخلةَ كُلّكم / إلى القَلبِ من أجلِ الحبيبِ حَبيبُ”
في مرحلة ما من حياتي كنت أعترض على هذا المثل “بعيد عن العين بعيد عن القلب”، كنت أتصوره كحبٍّ مشروط، ثم نكبر ونعرف أن الحب أصلاً مشروط، باستثناء حب الأم لطفلها. الحب يعني أن يبذل الإنسان من نفسه وقته وجهده وماله، فهو عطاء مستمر، ورد للمعروف وتلقيه.
وتتجسد إحدى الصور الجميلة للمحبة في “كل زين أشاهده وأنتم بعيد، منوتي ليتك معي“، لكن مع الإسراف في الغياب، كيف ستبقى حاضرًا في ذهن من تحب؟
تترك المسافة بين اثنين مساحة كافية لدخول أشخاص آخرين، غالبًا ما يحتل الموجودون أمام العين مكانا في ذاكرة القلب، بينما يتراجع الغائبون إلى الزوايا.. أفرض نفسك.
حل مؤقت:
تساهم وسائل التواصل، إلى حد ما، في ردم هذه الفجوة، فجوة الحضور.
كونوا بخير ❤️