طاولة لشخص واحد لو سمحت!

“وأنت لوحدك تذهب أين؟

كل الأشياء لشخصين، المظلة تسع رأسين والطاولة بكرسيين، و السماء لجناحين والصدفة لمشتاقين، والضحكة عدوى الشفتين، وأنت لوحدك تذهب أين؟”

أجلس في قهوة أعرفها وتعرفني، في هذه اللحظة لا يوجد فيها غيري، وبمجرد أن رآني الباريستا قال: “فلات وايت بكوب سيراميك صح؟” صح. وعلى أني أحب الذهاب لأماكن محددة، وتطرب نفسي لفكرة معرفتهم لي، وتقديم الخدمة بالشكل الذي أحبه، تقديم الماء مع الفلات وايت دون أن أضطر لطلبه في كل مره مثلا، لكن يوجد شيء من الوحدة في معرفة شخص غريب لتفاصيل ذائقتك، في حين يجهلها شخص تحبه، وتحب أن يعرفها عنك. حزن قديم، يشبه أن لا يأبه أحد بسبب تفضيلك للمعلمة فلانة مثلا.. ووجدت في السنوات الأخيرة بأن كل أستاذة أحببتها كانت بشكل ما تغطي فجوة موجودة، وهذا جزء كبير من امتناني للعلاقات في حياتي، ردمت فجوة ما، وما ابتلعني شعور الوحدة الذي تُخلفه هذه الفجوات.

جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتزيد من ترابطنا، حسب الادعاء القديم، لكن ماذا حدث حتى الآن؟ مابين (قربت البعيد وأبعدت القريب) تحدث الكثير من الأشياء. فأنت تشعر بأنك قريب من كل الذين تحبهم، لأنهم موجودين بنقرة زر، وتنسى مع الأيام أن الوحشة لا تنقضي إلا بلقاء العين بالعين، وأن الأحضان شيء لا يمكن تعويضه، هذه اللحظة التي يأخذك فيها شخص تحبه إلى صدره، فتهدأ مخاوف لا يعلم بها أحد. لقد فقد الكثير منا، بعد أزمة كورونا على وجه التحديد، حقيقة التواصل الجسدي، واتسع الفراغ بين اثنين.

“ما أحط مركى بيني وبين الرفيق/ لا يحسب إن قلوبنا متجافية”

كم مره طلب منك شخص عزيز اللقاء وأجلت الموضوع؟ لأنك مشغول، متعب، أو تشعر بأنك تعرف أخباره فلا توجد لديك رغبة ملحة في الخروج والاطمئنان عليه. لكن الحقيقة أين؟ على الوجوه والأصوات، لا على أحرف الكيبورد. نستطيع من خلال الكيبورد وصور السيلفي تزييف الحقيقة، وخلق صورة مثالية تحرمنا من تلقي المساندة المطلوبة.

“مرسوم. كل إنسانٍ مرسوم على وجهه حِمله”

كان عندي يوم قلبي يسبقني إليه، سأسافر للعاصمة الرياض للقاء صديقة عزيزة تعرفت عليها عن طريق السوشل ميديا من سنوات، وكان هذا لقاؤنا الأول وجهًا لوجه. في صباح يوم السفر كنت أتأمل وجهي في المرايا، لم تكن إبرة النضارة لتفعل هذا في وجهي، قلت في نفسي يومها بأن هذه المراية منحازة لي، لابد من مرايا أخرى تأكد أو تنفي كل هذه الإشراقة، وتأكدت يومها بأن لقاء الأحبة يفعل مالا تفعله إجراءات العناية.. كل شيء يبدأ من الداخل.

“ثم التقينا فلا واللِه ما سمعت/ أُذني بأحسن مما قد رأى بصري”

توجد شعرة مابين تصالحك مع نفسك وقدرتك على الجلوس معها، ومابين كونك شخص وحيد، وإن تماديت في الأولى ستصل لا محالة للثانية، دون أن تدرك ذلك، وحتى ربما لا تكون متصالح مع نفسك، بل تقضي أغلب وقتك في متابعة المسلسلات، أو غارق في عملك مثلا، تقوم بتخدير تواصلك مع نفسك والآخرين.. ثم ستبدأ في مرحلة ما بمحاولات إنقاذ نفسك، ستخرج لقهوة تعج بالأشخاص وستشعر بالوحشة، سيطلبون منك الخروج معهم وستشعر بثقل عجيب، لا تنسحب، مد يدك للآخر، اسمح له بانتشالك.

وش تقول الست؟

قابلني والأشواق في عينيه.. سلم وخذ يدي في ايديه/ وهمس لي قال لي الحق عليه.. نسيت ساعتها بعدنا ليه

كونوا بخير❤️

أضف تعليق