إن المتأمل في حال المجالس في السنوات الأخيرة، وفي حال تويتر تحديدًا، يدرك الفجوة الأخلاقية التي حدثت. كنا -وكان فعل ماضٍ إلى حتفه- نخجل من مجرد مرور فكرة سيئة في دواخلنا، نشعر بالعار من الفكرة الحسودة مثلاً، وكان على الواحد فينا أن يبذل مجهود في تهذيبها ما أن يدرك وجودها.. أما الآن ألا يخجل الإنسان من نفسه؟
أحسب أن كل ما حدث جاء من بعد كورونا، شيء ما حدث! لا أقول بأن الناس فسدت، ولكن ميزانهم الأخلاقي يتأرجح، فنجد عندما يدور الحديث في مجلس ما، عن فلان من الناس، ممن أنعم الله عليهم بمال أو زوج أو كلاهما، أن الناس لم تعد تخجل من قول كلمات مثل “ما تستاهله/على وشو أخذ كذا”، وهي كلمات حسودة بلا شك، والحسد تجاوز واعتراضٌ على الحكمة الإلهية في تقسيم الأرزاق. أما الغيرة فتأتي مغلفة بالنوايا الحسنة، أي أنها تحاول أن تستر نفسها، وإن كانت لها رائحة لا تخفى.
في وسائل التواصل سهلت عليهم الحسابات الوهمية هذا التأرجح، بعد تراجع الضمير الذي كان دوره الأساسي تذكير الإنسان بأن الله جل في علاه موجود.
“الشعر والنكتة طرق آمنة لقول الحقيقة”
صفات إنسانية
كثير من الصفات هي أصيلة في الإنسان كالطمع والحسد، أي أن وجودها لا يعني فسادك بالضرورة، وكونها إنسانية لا يعني تركها كما هي، ينبغي على الإنسان أن يؤدب نفسه، لا أن يطلق عنانها.
قرأت قبل أيام تعليق تقول صاحبته أنها عندما ترى امرأة مخطوبة وسعيدة تشارك تفاصيل علاقتها، تشعر هي بالمقابل بحرارة في صدرها، وعلى الرغم من أنها دعت لهم بالبركة في تعليقها، إلا أن التوضيح الدقيق للحرارة التي استشعرتها، هي دلالة على ضرورة عدم مشاركة تفاصيل الحياة الشخصية مع الجميع، و”قديمًا كان في الناسِ الحسد”
“لا أحد في هذا العالم يستحق الحسد، الجميع مثير للشفقة”
في وسائل التواصل: هل الاسم الصريح هو الحل؟
نعم، إذا كان الإنسان قد سعى في تهذيب نفسه. الاسم الصريح له حمولة، ويقف بينك وبين أن تضعه في موضع لا يليق به، فهو يمتد للعائلة وليس لك وحدك.
وإذا عدنا لما حدث بعد كورونا، فقد شهدنا كيف يفقد حتى الاسم الصريح رهبته، ويقع الإنسان علنًا وباسمه الصريح في محظور أخلاقي ولا يبالي، ويدافع آخر باسمه الصريح أيضا عن هذا الوقوع. وفي ظل غياب الضمير والمراقبة الذاتية، ستساهم عدم المبالاة التي انتشرت في السنوات الأخيرة في استمرار الانحدار الأخلاقي، ولطالما وقف المجتمع ونظرته لك حائلاً بينك وبين هذا.. ينبغي لنا أن نقف وقفة جادة تجاه ذوبان القيم الأخلاقية في العصر الحديث!
غياب القدوة
بعد انفتاح المجتمع على بعضه، وارتفاع إدمان الأجهزة عند الكبير قبل الصغير، وتراجع الدور التربوي من الوالدين والعائلة ككل، أصبحت القدوات “على قفا من يشيل”، وصار للشهرة الكثير من الاتباع، وغاب عن أذهان الناس مفهوم الفلترة، إذ أن متابعتك وحبك لفلان من الناس لا تعني بالضرورة جدوى كل ما يفعله، وأحسب أن تفاعل الناس مع الإعلانات دلالة واضحة على الثقة المهدورة.
المعضلة الآن أن الإنسان لا يشعر بالتبعية وهو يفعل ما يفعل فلان من الناس، وعندما يكون فلان من الناس من أهل المال والوجاهة، يشعر بأن تبعيته لها وجاهة أيضًا، والوعي بكونك تابع هو المساهم الأول في رحلة استقلاليتك.
تقول دلال العمودي: “تستقيم العلاقات بالنبل والمروءة والديانة؛ أمّا الحبّ فقيمةٌ متغيّرة، وأمّا القلب فشيمته التقلّب، لهذا أعوّل على من مناط تعاملاته تقوى الله، وعلى من قياد سلوكه لحشمة قلبه وروحه، وبصيرة نفسه التي تستنير بقيمٍ عُليا= مثل هذا لا أخشاه، ولا أخشى عليه، بل أنقاد له طوعًا.“
كونوا بخير❤️