الثلاثين وضّاح الجبين

on

لم أصبح المرأة التي تمنيت أن أصيرها، لكنني أصبحت أفضل ما يمكن أن تكونه امرأة تعيش بنفس ظروفي.*

سمعت “الثلاثين وضّاح الجبين” لأول مرة مع الحبيبة نوف اليحيى، كنت أقول يومها هل يا تُرى؟ والآن وأنا في عامي 31 أقول قالتها نوف وقالها الله، إيه وضاح الجبين، ولكنه لا يكون هكذا كتحديث تلقائي، إنما كنتيجة للسنوات التي مضت.

والعذر للعشرين حيث عبرتُها/ وحدي، ولم أعرفك في العشرين

ماذا عن الحياة بدون أب؟

كما قال خالي بلساني ذات مرة “جيت الحياة وجاك من ربي الموت/ صدرت يا عمري وأنا جيت وراد”، وغالب مواجعي التي أنهكتني كانت مرتبطة بشكل أو بآخر بوفاته رحمه الله رحمة واسعة.. أنا -وببالغ الأسى- ربتني الحياة، لم تبالي بأني قد حصلت على تربية سليمة، ولا بكل الحب الذي ترعرت فيه، أذاقتني من كأسها، وإلا كيف لرجل عظيم أن يغيب دون أن يترك هذا الغياب هذه الفجوة الهائلة في حياة ابنته! إن رحمة الله قد وسعتني ومازالت، ما كنتُ سأكون ما أنا عليه الآن لولا هذه الآلام، “عليها غضبتي ولها امتناني”.

معيار الحرية هو ردّك على ما فعلته بك الحياة.

لقد وجدت دوائي في السماح لنفسي بأن تعيش ألمها أيا كان، هذا السماح يمكنني من الرد على الحياة، إن تألمت اعتزلت الحياة قليلا وطيبت خاطر نفسي، إن غضبت فرغت غضبي، وإذا مدت الحياة يدها عليّ وشعرت بأن ضربتها قد تكون قاضية هذه المرة انكببت على التفاهة لأمنعها، وكأني بهذا انتقم من الحياة بعدما مدت لي ما أُحب وعندما هممت بأخذه منعته عني، وهذه الأخيرة تشبه عندما يقولون “صاحت صاحت” ولا أصيح، انتصار لذيذ، وأنا مؤمنة في نهاية المطاف بأن “الحياة تعطيك ما لديك الجرأة على أخذه”، ومع ذلك “بعد كل هذه التجارب التي مررت بها، تخلّيت عن إصراري الجسور. لله حكمته في جعل الأشياء التي ترغب بإصرار بها تبرق أمام عيناك، تركض إليها ولا تصل. وأن نصيبك السعيد من الحياة يأتي إليك وأنت غافي في ظهيرة يوم شاق.”

“أتقبَلُ أن تُجَرِّبك الحَياةُ ولا تُجرِّبها؟/ مَا من دمعَةٍ إلا لها عَينٌ لِتَسْكُبَها

دفاعات جديدة مرة آخرى..

نكبر ونألف حتى أساليب دفاعنا عن انفسنا وليس فقط آلامنا، فمنا من وجد ضالته في الهروب وآخر في النسيان أو في النجاح، تتعدد الحيل النفسية المستخدمة ولكنها غير ثابتة، ومحاولات البقاء في المنطقة الآمنة تعني أنك في حال اضطررت يوما لمواجهة موقف خارج هذه الدائرة ستتزعزع، لن تعرف كيف تحمي نفسك، ولذلك نعتبر الأصدقاء من مجتمعات مختلفة عنا أو الوظائف في أماكن متباينة ستساعد في تطوير دفاعاتك، نظرا لاختلاف الأخلاق والمبادئ والقيم بينكم، ولا تنسى أنه “من مأمنه يؤتى الحذر”.

أيها الشِعرُ يا جُرحي ومعجزتي*

منذ نعومة أظافري وأنا أعرف الشعر، كقصيدة كاملة أو استشهاد عابر، كنت أجلس مع أمي في المطبخ لأنها تستمع لقصائد عبدالعزيز الأحمد، وبكيت مرة وأنا لم اتجاوز 12 سنة لأن أخي افسد شريط المسجل، بكيت لأني خفت أن تذهب القصيدة التي أحبها من ذاكرتي، ما كنت أعلم وقتها بأن الانترنت سيأتي ويقدمها لي على طبق من ذهب.. أعرف أن للشعر دور في تهذيب أفكاري ولساني، مؤمنة بقدرته على زرع الكثير من القيم والمبادئ أو نزعها، كما تفعل الأغاني، ولهذا أقول بأن على الإنسان أن ينتقي ما يقرأ/يسمع، فعندما تقول “يا من هواه أعزه وأذلني/ كيف السبيل إلى وصالك دلني” لا يشبه أن تقول “يقولون في بعض التذلل عزة/ ومن عاداتنا أن نبلغ العز بالعز”.

مشكلة تكرار سماع وقراءة الهوان أنه يخزن في عقلك، وستتصرف يوما ما وفقه، أما النقيض سيكون مثل درع حماية لنفسك عن الميل، “وإن كان إدراك الهوى بتذللٍ/ رأيت الهدى أن لا أميلَ مع الهوى”، وهذا الهدى يأتي بعد تريبة للنفس وتوطينها على ما تسمو به.

أرفض شعور الندم وأرفض طمان السفوح/ لو كان فيه الحياة اغصونها وارقه

ياحبيبي الهوى غلاّب*

ليه الحب مهم؟ “لأننا، لكي نحتمل هذه الحياة علينا أن نؤمن بإمكانية الحب فيها، حتى لو لم يكن لنا فيه نصيب، على الأقل ستجعل هذه الإمكانية الحياة محتملة.”، وأنا أحب الحب وأهله، ولا أرى الحديث عنه يشمل فقط المشاعر الموجهة إلى الجنس الآخر، وهذا سبب خلافاتي المتكررة مع أهل تويتر، هم ينظرون إلى الحياة بحديه، أما أنا فعندما اتحدث عن الحب يمكن أنه اليوم قهوتي صارت مضبوطة، والحب بالنسبة لي أوسع من أن يُحصر بإتجاه واحد، وماكنت لانجو في هذه الحياة -بعد رحمة الله- لولا الحب، الحب يهذب ويرقق الطباع، ولا يمكن مقارنة حب الأهل والأصدقاء والحبيب ببعضها، لكل حب مكانه وميزانه في حياتك.

وعلى ذكر الحبيب، سألتني مره في القط الفضولي قالت “جنان أنا مستغربة ليه للحين ما تزوجتي!” هي تعتقد بأني رائعة ولهذا تتساءل، وآخرين يقولون “لأنك تتكلمين عن الحب والزواج ما اعرستي!”، وكلهم انشغلوا بزواجي لأني افصحت عن سنين عمري. لقد منح تطبيق القط الفضولي الآخرين الجرأة على تفسيري، ولهذا ألغيته.

لن يكون الأمر محصورا على وسائل التواصل، بعد الثلاثين حتى في واقعك سترين من يقول بأنه ظل راقل ولا ظل حيطه وعليه يرسلون لك خُطاب لا يتوافقون مع معاييرك، ويستنكرون رفضك لأنك ببساطة كبرتي! وأنا “غالى بنفسي عرفاني بقيمتها

ولكنَّ بعضَ الناسِ أملحُ من بعضِ

لم يكن مجتمعنا يعطي المرأة حقها بأن يكون لها ذوقها في الزواج والرجال، ويرى بأن عليها أن ترضى وإن كان قليل، مع أنه في كلا الحالتين قبلت أو رفضت فأنا وحدي سأتحمل مسؤولية قراري، وكونه أنا (وحدي) هي ما يجعلني اتمسك بما أريد، لأنه وإن حاول أحد إقناعي بشخص ما، فغدًا سيُعامل قرار الموافقة على أنه قراري الشخصي، لن يتحمل أحد معي تبعات هذا القرار.

عندما تشعر بالأمان؛ يصبح الوقوع في الحب منطقيًا

الثلاثين وضاح الجبين

وصلني عرض وظيفي ولأني سبق وامتحنت نفسي في هذا المجال، رفضت ببساطة. وسع من دائرة تجاربك، اقرأ الكثير من الكتب، ناقش من هم أعلم وأعلى منزلة منك، ابحث وفكر، أسمح لنفسك أن تأخذ العبرة من ألمها، ولا تتوقع من الراحة والرخاء مقابل مثل أن تكون ثلاثينك واضحة.

إن أكثر شيء اكتسبته في العشرين، وصار واضح وجلي في الثلاثين هو أني صرت أعرفُ ما أريد، لم تعد الحيرة والهواجس تأكل قلبي مثلما كانت، صرت أُميز الطريق الذي أحب عن غيره، وعليه صار قول “لأ” أسهل مما مضى، وهذه المعرفة “كَم دفعتُ لها مِن مُهجَتي ثَمنًا”.


‏”فَلِلَّهِ إِحسانٌ إِلَيَّ وَنِعمَةٌ/ وَلِلَّهِ صُنعٌ قَد كَفاني التَصَنُّعا

في هذه التدوينة سلطت الضوء على أهم ما ساهم في صقل شخصيتي لأكون جنان التي تعرفونها: الألم، الشعر والحب. والحديث عن الألم لا يعني بأن حياتي قاسية، كما أن الحديث عن الحب لا يعني أنها مُترفة، والحقيقة أننا كلنا بين هذه وتلك، وعلى الإنسان أن يهذب نفسه حتى في ألمه، ويستشعر الامتنان لله الذي يعطي ويمنع بحكمة هو يعلمها سبحانه.

ختامًا: “إن كل ما يستلزمه الأمر أحيانًا خطوة، خطوة واحدة شجاعة”

بارك الله لنا في أعمارنا، ورزقنا قرارة العين بما نحب على الوجه الذي يحب.

نراكم على خير .. حبو بعض♥️

أضف تعليق